مدارات

الأصولية بين البيولوجيا والسوسيولوجيا

“L’intégrisme est une nostalgie du passé qui se prend pour une référence à l’Eternel.”

(Etienne Borne / 1907-1993)

الكفاح الدفاعي هو رفض قاطع لكل تطور، وهو مظهر القصور الذاتي بكل ما تضفيه الميكانيكا على هذه العبارة من معنى: العجز عن تعديل حالة ما ومقاومة التغيير وهو يتخذ عموما شكل استقطاب على “القيم التقليدية ” أي على الماضي والقضية المسلمة بسيطة: ما كان فهو خير وينبغي أن يبقى.

يقول البيولوجي الفرنسي “جان ماري بيلت” بأن لكل تنظيم اجتماعي أصوليوه، ومن أروع الأمثلة على التظاهرات الصاخبة للأصوليين داخل الكنيسة الكاثوليكية. ففي الموقف الذي يتخذونه لبس، إذ إن استشهادهم بالسماء على عدالة قضيتهم يفترض استئثارا بالله بعيدا كل البعد عن المسيحية، والله، بحكم تعريفه، لا ينتمي إلى أحد. والواقع إنهم إنما يدافعون عن أنفسهم عن الأمن الراسخ في اشتراطات التعليم الذي تلقوه في طفولتهم، عن مفهومهم للعالم، وعن قيمهم الذاتية، لا عن مجد الله وكرمه. فالله ليس بحاجة إلى البشر لكي يدافعوا عن مجده .

والأصولية هي عالم ما قبل “داروين”، أي الرفض القاطع لمفهوم التطور ذاته. فالتعليم الملقن المبني على دوام العقائد وفكرة العصمة عن الخطأ ومفاهيم السكون الموروثة عن الحركات الدينية، أعطت للأصولية ظروفا مخففة من شعب طيب.

تجد الأصولية في الطبيعة مصادر وحي لها. فبعض الأنواع التي توصف بأنها معمرة (PANACHRONIQUE) كفت عن التطور منذ ملايين السنين، ومستمرة في عالم اليوم نماذج أولية تكونت خلال الأزمنة السحيقة مثل “الكولا كانت” تلك السمكة التي بلغت من المحافظة ومن التخصص درجة منعتها من أن يكون لها خلف وظلت على ما كانت عليه منذ مليونين من القرون، وذلك أيضا هو حال “الإسفنج “الذي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ الدهر الجيولوجي الأول، و”الكهدليات” وهي مجموعة حشرات كثيرة الإخصاب على الرغم من طعنها في القدم، و” بنات وردان” التي لم تتغير منذ العصر البرمي، وكلها نماذج من الأصولية البيولوجية دأبت على أن تكون مطابقة لذاتها وسط  بنية في تحول مستمر.

المجتمعات البشرية، يضيف البيولوجي بليت، شأنها شأن سائر النظم الحية، نظم مفتوحة، وهذا حكم الديناميكا الحرارية المعممة فهي تتبادل الطاقة والمادة مع بيئتها. وتعد دراسة هذه المبادلات وعمليات الانتقال هي المهمة الأساسية لعلوم الاقتصاد والإيكولوجيا. ويبلغ تعقد النظم المفتوحة درجة تجعل من المستحيل أن نراها تمر أثناء تطورها أو تاريخها، بحالة التوازن نفسها أكثر من مرة. وعلى ذلك، لا يوجد أي احتمال لأن نعيد بناء مجتمعات الماضي. فالتاريخ لا يعيد نفسه وسبب ذلك مفهوم حق الفهم أي استحالة العودة إلى الماضي.

الأصولية، من منظور العلوم الإنسانية، يقول المفكر اللبناني علي حرب، هي الوقوف موقف النزيه والتقديس أو التعظيم والتبجيل من الأوائل والسلف، للالتزام بما قرروه من التعاليم و القواعد، على سبيل المماهاة والمطابقة في القول والعمل، أو على سبيل الترجمة والتطبيق في النظرية والممارسة.

قد يكون الأصل معتقدا دينيا كما في الأصولية الإسلامية، وقد يكون أدلوجة حديثة كما في الفكر الدغمائي الماركسي.

وفي كلا الحالين، نحن إزاء موقف دغمائي أحادي من الحقيقة، الحقيقة المطلقة والاكتفاء الذاتي الفكري على شكل وحي أو علم دين شامل، أو على شكل نظرية شاملة تدعي القبض على كل قوانين التاريخ وقواعد الاجتماع.

وبهذا المعنى، فالأصولي هو من يثبت فكره عند زمن معين أو حدث معين. أو من يتعلق بنص معين أو شخص معين، لكي يتخذ من ذلك المرجع والنموذج أو الأساس أو المعيار في النظر والتفسير أو في العمل والتدبير.

الأصولية تتعامل مع الفرد بوصفه ذا هوية مسبقة ومتعالية، أو مكتملة ونهائية. وبهذا المعنى، فالأصولي هو من ختم على عقله ووجدانه بختم عقيدته. والمحصلة لذلك هي الاستقالة من التفكير الحر والنقدي يضيف علي حرب.

النرجسية الثقافية هي الوجه الآخر للأصولية الدغمائية وهي آلية من آليات الدفاع عن الذات  تقوم على تعظيم ما عند النفس وبخس ما لدى الغير. وهذه ممارسة فكرية أتقنها أبناء جلدتنا من حماة الهوية والأصالة.

الأصولية هي التجلي الواقعي للتصورات الشمولية التي تلغي الفرد، من حيث هو كائن مستقل في تفكيره؛ كما هو في خياراته التي تحدد ماهية وجوده، أي هي العدو الواقعي للتصور الديمقراطي التحرري الذي ينهض على الفردانية، أقصد: التصور الفرداني الذي يبدأ من الفرد؛ لينتهي بالمجموع، وتحديداً المجموع الذي يتغيا فردانية الأفراد، وليس العكس، كما في التصور الأصولي المنكوس.

إن الرهان على الإصلاح الديمقراطي بجبة الأصولي إصلاح فاشل, حيث نعظم الشكل على المضمون. وتصبح الدولة المدنية إمارة مدنية وتختزل الديمقراطية في الشورى القبلية مع ما بين الاثنين من الفارق في الفضاء والمفهوم والآليات.

الخطاب الأصولي “للدولة والمجتمع” انتصر للديمقراطية الاجرائية، أي الديمقراطية كعبارة محايدة ووصفة شكلية ومجرد إجراء إداري في مجال أبعدتنا عن الدولة المدنية الديمقراطية وأرجعتنا، مرة أخرى، إلى التأويل السلفي والديمقراطي للدستور وثنائية الأصالة والمعاصرة غير المنتجة، والتي ستبعدنا أكثر عن أزمنة الحداثة الجديدة وتحولاتها المتسارعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock