مدارات

حين يوظف بنحمزة إمارة المؤمنين لخدمة الوهابية

إن الدستور المغربي، منذ 1962، حسم في مسألة إمارة المؤمنين حين أسندها إلى الملك حتى لا ينازعه فيها أي منازع فردا كان أو جماعة أو تنظيما حزبيا، وذلك حفاظا على الأمن الروحي للمغاربة .والفقرة الأولى من الفصل41 من الدستور واضحة في مبناها ومعناها “الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية”؛ إلا أن يتامى الوهابية ووكلاءها لا يكفون عن الاعتداء على اختصاصات إمارة المؤمنين وتعطيل أدوارها الروحية والمذهبية التي تعارف عليها المغاربة. ويهمنا هنا التنبيه إلى الانحرافات المذهبية الخطيرة التي يؤسس لها مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي المحلي بوجدة وعضو المجلس العلمي الأعلى. فمنذ توليه العضوية في المجلسين العلميين وهو يوظف سلطاته الإدارية والاعتبارية لنخر إمارة المؤمنين من داخل مؤسساتها الدينية كما تنخر الأرضة الأعمدة. ولعل المسؤولية الأولى والأخيرة يتحملها وزير الأوقاف الذي ورث الوزارة وقد تعفنت بالعناصر الوهابية والإخوانية التي مكّنها الوزير الراحل عبد الكبير العلوي المدغري من الحقل الديني بكل  مؤسساته (المساجد، الكليات، دور القرآن، المندوبيات..) دون أن يبذل أدنى جهد لتطهيرها (=وزارة الأوقاف) من الدخلاء والخارجين عن المذهب الرسمي للمملكة وحملة معاول الهدم والتخريب للعقائد والأعراف التي درج عليها المغاربة قرونا عديدة. فوزير الأوقاف هو المسؤول عن مراقبة الخطاب الديني والفتاوى التي تصدر عن شيوخ التطرف والتكفير وتحديد معايير العضوية في المجالس العلمية واختيار الخطباء والأئمة المعتمدين في مساجد المملكة . لكن الثابت ألا شيء من هذه المسؤوليات يتم احترامها والوفاء بها ؛ ويكفي إدراج الأمثلة التالية لبيان قصور وعجز وزارة الأوقاف عن مواجهة المد الوهابي والإخواني داخل المؤسسات الدينية والإعلامية وشيوع فتاوى التكفير والكراهية دون حسيب أو رقيب.

1 ــ منذ سنوات وعدد من الشيوخ المعروفين بتطرفهم يفتون بتكفير فئات من المجتمع (سياسيين، حزبيين، مفكرين ومثقفين، نشطاء حقوقيين، إعلاميين، فنانين..) دون أن تتدخل وزارة الأوقاف لتحريك المساطر التي يخولها لها القانون والدستور والخطب الملكية التي جعلت الإفتاء من اختصاص لجنة الفتوى التي يشرف عليها المجلس العلمي الأعلى. تقصير وزير الأوقاف في الاضطلاع بمسؤولياته في حماية الأمن الروحي والفكري للشعب المغربي شجع المتطرفين، من داخل المؤسسات الدينية الرسمية ومن خارجها، على بسط هيمنتهم المذهبية على الحقل الديني  والتعليمي، خطابا وممارسة، عقائد وعبادات ومعاملات .

2 ــ  حمْلة الهجمات الممنهجة التي تستهدف المشترك المذهبي بين المغاربة ضدا على التوجه الرسمي لحماية الثوابت المذهبية للمغاربة وهي: المذهب المالكي في الفقه وطريقة الجنيد في التصوف والمذهب الأشعري في العقيدة. إذ لا يكفّ شيوخ التطرف عن مهاجمة احتفال المغاربة ببعض المناسبات بما فيها الدينية مثل عيد المولد النبوي الشريف وتكفير المواسم سواء ذات الطابع الديني (مواسم الأضرحة ) أو الفني/الثقافي (موسم حب الملوك أو المهرجانات الفنية، أو الاحتفال وتبادل التهاني برأس السنة الميلادية. ومن أبرز الأصوليين المتطرفين المعادين للثوابت المغربية مصطفى بنحمزة الذي فاخر متبجحا، أثناء الدورة الخريفية للمجلس العلمي الأعلى التي انعقدت بالرباط، في النصف الأول من ديسمبر 2019، بكونه يسوي الأضرحة والمقابر أرضا، بدون اعتماد المساطر، وفي أقل من 24 ساعة. فغاية يتامى الوهابية هي القضاء على الصوفية التي تشيع قيم الصبر والمودة والرحمة والتسامح ليخلو لهم الجو لنشر عقائد الكراهية والتكفير.

3 ــ الهجوم المستفز لمكونات الهوية المغربية، خاصة المكون اليهودي والأمازيغي. بخصوص المكوّن اليهودي لا تخلو خطبة من خطب الجمعة من الخلط بين أتباع الديانة اليهودية أيا كانت جنسياتهم وبين الإسرائيليين المحتلين لأرض فلسطين، ليتم التحريض ضد كل اليهود من أعلى منابر الجمعة دون مراعاة الدستور الذي يقر بمكون اليهودية، أو قيم المواطنة التي تقتضي التعامل على أساس المساواة في المواطنة والحق في العيش الآمن داخل الوطن. أما بخصوص المكون الأمازيغي فتكفي الإشارة إلى تهجم مصطفى بنحمزة على اللغة الأمازيغية التي جعلها الدستور لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، حين هاجم الأمازيغ بتهكم: “شحال عندك من كتاب بالأمازيغية، وشحال عندك من كتاب ديال الفلسفة باش تقرّيه للعالم وكتب الرياضيات والبيطرة وغيرها… عندك جوج كلمات حافظينهم الشيخات وكايبيعو ويشريو بهم.”

4 ــ تطاول مصطفى بنحمزة على اختصاصات المجلس العلمي الأعلى حين فرض على المجلس البلدي لوجدة الطريقة الوهابية لدفن أموات الوجديين خلافا لكل الأعراف وما جرى عليه العمل عند عموم الشعب المغربي عبر التاريخ. وإذا كان المغاربة قد درجوا عبر التاريخ، على جعل القبر حبسا على صاحبه واحترام حرمته وتحريم نبشه، فإن مصطفى بنحمزة، الذي استغل منصبه كعضو في المجلس العلمي الأعلى، أجبر البلدية على اعتماد القبور المشتركة التي يُدفن فيها أكثر من واحد. وبهذا القرار تكون الوصاية الوهابية التي يمارسها بنحمزة تجاوزت المجلسين العلمي والترابي لوجدة إلى المجلس العلمي الأعلى الذي هو الأحق بالبت في القضايا الدينية التي استشكلت على المغاربة، علما أن مسألة المدافن تمت معالجتها فقهيا منذ فجر الإسلام ولا يحق لبنحمزة أن ينصب نفسا وليا لأمر المغاربة بعد أن اختاروا مذهبهم المالكي ومَغْرَبُوه بما ينسجم مع ثقافتهم وأعرافهم الاجتماعية لدرجة أن كل محاولات استيطان المذاهب الأخرى فشلت.

أمام هذه التجاوزات المذهبية الخطيرة التي تتهدد هوية المغاربة المذهبية، بات مفروضا على وزير الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى وكاتبه العام اتخاذ ما يقتضيه الدستور والقانون والواجب الوطني. وليعلم معالي الوزير أنه عيْن إمارة المؤمنين على الحقل الديني، لهذا عليه ألا يكرر أخطاء سلفه الذي حوّل المغرب إلى حاضن ومشتل للمتطرفين والإرهابيين ، ولولا اليقظة الأمنية ومقاربتها الاستباقية الفعالة لتحول المغرب، لا قدر الله، إلى أفغانستان ثانية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock