مدارات

مس التاريخ والتنكر لبطولات الجيش من خطط البيجيدي

أثارت ولا زالت تثير جريمة تغيير اسم أحد الشوارع الكبرى بالدار البيضاء الذي ظل يحمل إسم “الجولان” منذ  حرب أكتوبر 1973 ضد الكيان الصهيوني تكريما لـ 170 من الجنود والضابط المغاربة الذين استشهدوا على أرض الجولان بمدينة القنيطرة، ووضعوا محلها يافطة تحمل اسم “عبد الله باها” الذي داسه القطار أو انتحر حسب بعض الروايات. إن الإقدام على مثل هذا الفعل هو جريمة نكراء في حق الشعب والوطن والتاريخ والشهداء وأسرهم .

جريمة في حق الشعب: بحيث يسعى البيجيديون إلى محو الذاكرة  الجماعية من كل الرموز التي تجعل المواطنين ، خاصة حديثي السن ، يستبطنون الاعتزاز بإنجازاتها أو تضحياتها، ومن ثم تتشكل هوياتهم الوطنية، فيتم إدماجهم في المجتمع بكل يسر. إن طمس هوية الشعب من أخطر الاستراتيجيات المعتمدة من طرف تنظيمات الإسلام السياسي، لأنها تُفقد المواطنين عناصر المناعة والمقاومة  وتجعل فرض الوصاية عليهم أمرا يسيرا. نفس الجريمة ارتكبها البيجيدي في مدينة تمارة لما أطلق أسماء رموز التطرف والكراهية والإرهاب على بعض شوارعها. فالشعوب تقاوم المسخ الهوياتي بتراثها الثقافي ورصيدها الحضاري ورموزها الوطنية. إنهم يسعون إلى تزييف وعي الشعب بتاريخه الوطني وطمس ذاكرته الجماعية مثلما فعلوا في بعض المدن (تارة، طنجة، الدار البيضاء..)؛ وهو نفس النهج الذي اتبعه إخوان مصر ويتعبه اليوم الحوثيون في اليمن واتبعته إسرائيل منذ احتلال فلسطين .

جريمة في حق الوطن: من حيث كونهم يستبدلون رموز النضال والتضحية إما برموز التشدد والتطرف قصد التطبيع مع عقائدهم التخريبية وإيديولوجيتهم الدموية التي لا تؤمن بالوطن ولا بقيم المواطنة وحقوق الإنسان، أو بأسماء نكرة ليس لها رصيد وطني في المقاومة أو النضال من أجل الحقوق والحريات .بل إنها أسماء ناهضت الحقوق والحريات وتصدت لمطالب النساء في المساواة والكرامة والمواطنة (عبد الله باها شارك في كل المعارك ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية). ومن شأن هذه الاستراتيجية إضعاف مشاعر الانتماء إلى الوطن والاعتزاز بحمل جنسيته والافتخار بأمجاده لدى الأجيال الصاعدة؛ ومن ثم قتل روح التضحية والعطاء والتفاني من أجل الوطن. إنها رسالة خطيرة يبعثها البيجيدي إلى الشباب الذي اختار الالتحاق بالقوات المسلحة الملكية قصد الدفاع عن حوزة وأمن الوطن واستقراره.

جريمة في حق الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن القضايا السامية التي يؤمن بها الشعب المغربي والتي يثبت بها ارتباطه العاطفي والعضوي واستعداده للتضحية من أجلها ( قضية فلسطين والأراضي المغتصبة ، قضية الوحدة الترابية ..). وهذه الجريمة تتجسد في التنكّر للشهداء المغاربة سواء الذين افتدوا بأرواحهم أرض الجولان المحتلة أو الذين ضحوا من أجل استقلال المغرب أو حماية وحدته الترابية في الأقاليم الجنوبية. فمن حق الشهداء على كل المسؤولين في المجالس الترابية تكريمهم بإطلاق أسمائهم على الشوارع والساحات العمومية والحدائق والمنتزهات حتى تبقى ذكراهم حية تغذي الروح الوطنية والذاكرة الجماعية.

هؤلاء الشهداء من أجل الوطن والأمة هم الأحق بأن تحمل الشوارع أسماءهم وليس الأشخاص الذين لا رصيد وطني ولا تضحيات لهم من أجل الشعب والوطن. فالشعوب لا تنسى أبناءها البررة وشهداءها الأبطال الذين كتبوا تاريخها بدمائهم ورصعوه بتضحياتهم.

جريمة في حق أسَر وأهل الشهداء الذين فقدوا أعز أبنائهم دفاعا عن سيادة الوطن وشرف الأمة. وإطلاق أسماء الشهداء أو مواقع استشهادهم هو تكريم لهم وفي نفس الوقت اعتراف وتقدير رسمي لتضحياتهم تجد فيه أسرهم وعوائلهم العزاء والسلوان يبعثان على الفخر واعتزاز بوطنيتهم. لكن تغيير أسماء الأماكن العامة التي ترمز إلى التضحية من أجل الوطن أو الأمة بأخرى لا تاريخ ولا نضال لها هو أكبر من إساءة إلى الشهداء. هو جريمة في حقهم وحق أسرهم. إنه قتل متواصل وبلا رحمة  للشهداء يتجرع الأهل آلامه ومرارته  دون انقطاع.

جريمة في حق الجيش المغربي الذي كتب ملاحمه البطولية بالدماء والأرواح دفاعا عن الوطن  ونصرة للقضايا العربية. جيش  مصدر فخر واعتزاز الشعب المغربي، على صخرته تكسّرت أطماع التوسع الخارجية وكل مخططات الانفصال والإرهاب. وتغيير اسم “الجولان” رمز الشهادة والتضحية باسم “باها” هو تنكّر لبطولات الجيش وملاحمه وإساءة خسيسة لمؤسسته وجريمة نكراء في حق جميع عناصر القوات المسلحة الملكية .فهل جزاء من يُفدون الوطن والشعب بأرواحهم ودمائهم هو التنكر لتضحياتهم والإساءة لشهدائهم؟ إن قرار تغيير اسم الجولان رسالة إلى مؤسسة الجيش مفادها أن قيمة بيجيدي واحد أهم وأفضل من كل الجيش.

لطالما تمشدق البيجيديون بنصرة فلسطين وجعلوا تحريرها من الاحتلال الصهيوني أولى أولوياتهم. كما انتصروا وناصروا حزب الله في حربه ضد إسرائيل التي تحتل أجزاء من لبنان  (مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر)، لكنهم لم يفعلوا الشيء نفسه مع سوريا ومصر. إنهم لا ينتصرون للقضية وللشعب وللأرض العربية التي تحتلها إسرائيل، بقدر ما ينتصرون لبَني مرجعيتهم الإيديولوجية (الإسلام السياسي). انتصروا لحماس وحزب الله ولم ينتصروا لسوريا نظام الأسد في حربها ضد إسرائيل  أو لمصر نظام السادات لما وقع معاهدة كامب ديفيد التي مكنته من استرجاع  سينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock