سياسية

من يُنقذ الشعب من حكومة البيجيدي؟؟

تواصل حكومة البيجيدي تنفيذ استراتيجية الإجهاز على الحقوق والمكتسبات السياسية والاجتماعية. إذ لا يختلف المغاربة غير الأعضاء في حزب العدالة والتنمية أو المتعاطفين معه حول قائمة المكتسبات والحقوق التي صادرتها حكومة بنكيران ضدا على الدستور والنقابات العمالية والمهنية (باستثناء نقابة البيجيدي). كما يتذكر جميع الموظفين إصرار بنكيران على فرض قانون التقاعد حتى ولو احتجوا عليه “بشعب الصين” كما قال. عبارته هاته ليس لها من دلالة غير الاستخفاف بإرادة الشعب وأساليب الاحتجاج السلمي التي تضمنها الممارسة الديمقراطية. هذا هو النهج الذي ميز حكومة البيجيدي في الولايتين الأولى والثانية، مما زاد من تغوّلها واستبدادها بالشعب المغربي. فقد استغلت مآسي الشعوب التي فتك بها “الخريف العربي” ومخاوف الشعب المغربي من مآل مماثل لتُقْدم على سلسة أخطر القرارات (رفع الدعم عن المحروقات، قانون التقاعد، حذف الترقي بالشواهد، التوظيف بالتعاقد إلخ)؛ وها هي اليوم تستغل جائحة كورونا وظروف الحجر الصحي وانشغال المواطنين بمعيشهم اليومي لتطبخ مشروع قانون يصادر حرية التعبير والنقد على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح .فبعد مصادرة الحقوق المادية والاجتماعية ، جاء الدور على الحقوق السياسية والحريات الفردية. ولا يمكن فهم قرارات حكومة البيجيدي وخططها إلا ضمن الإستراتيجية العامة لهذا الحزب الذي يتخذ من عقائد المودودي والبنا وقطب وابن تيمية خلفيته الإيديولوجية ومقومات مشروعه المجتمعي ونظامه السياسي “الأمثل” الذي هو نظام الخلافة وتطبيق الشريعة(الحاكمية).

فبنكيران  سبق واستشهد متحديا النظام والأحزاب، في لقاء جماهيري بمدينة أكادير سنة 2016، بقولة ابن تيمية “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”. والمراجع الإيديولوجية هذه ليس فيها ما يحث على ضمان الحقوق واحترام الحريات حتى يتخذ منها البيجيدي منهجا لتدبير الشأن العام. لهذا تصرف، عند تعيينه رئيسا للحكومة، “كخليفة” لا يخضع لإرادة الشعب أو لدستوره، فاتخذ أول قرار “عفا الله عما سلف”.

وفي كل خطاباته كرئيس للحكومة، كان يتحدث بتلك الصفة التي تجعله يتصرف دون قيود وكأن الشعب مجرد عمال وعبيد في ضيعته. لم يختلف العثماني عن بنكيران إلا في “القهقهات” و “التبوريد”. فإذا كان بنكيران يعلن عن قراراته قبل اتخذاها، فإن خلفه العثماني يمرّرها في جنح الظلام وبتكتم شديد كما وقع لمشروع قانون تكميم الأفواه  22.20؛ إذ لولا حادث التسريب الذي فضح المستور وكشف التواطؤات المُخزية، لمرّ المشروع دون إثارة الانتباه، خصوصا بعد أن صادق عليه أعضاء الحكومة وقبلوا الانخراط في خدمة استراتيجية البيجيدي الرامية إلى التحكم في الشعب. وهذا يعطينا فكرة أن أحزاب الأغلبية الحكومية يسهل عليها التنكر لنضالات الشعب والتزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان. فما يهمها هو المنصب والمكسب على حساب القيم والمبادئ.

والشيء الثاني الخطير الذي كشفت عنه واقعة مشروع قانون تكميم الأفواه كشفت، هو أن قرارات الحكومة تُتخذ في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، ما يعني أن للوزراء والأحزاب الحليفة دورا صوريا وتنفيذيا ليس إلا. فأن يكون للحكومة حق المصادقة على المشروع بينما يكون لأمانة الحزب العامة الحق في سحبه وتحديد آجال مناقشته والأطراف التي ينبغي إشراكها، فهذا يعطي الانطباع بأن البيجيدي يتصرف كما لو أن المغرب صار “إمارة” لا يسري عليها الدستور المغربي الذي يحدد اختصاص المؤسسات.

فوزير العدل الذي جاء بالمشروع/الكارثة أو العثماني رئيس الحكومة، لم يستطيعا الإعلان عن قرار سحب مشروع القانون وتأجيل مناقشته إلى ما بعد جائحة كورونا، وهما المخولان دستوريا اتخاذ مثل هذا القرار، بينما اتخذته الأمانة العامة للحزب وأعلنت عنه قبل حضرتهما. إنها استراتيجية الأسلمة التي تقوم على التدرج في التشريع والتغلغل في المؤسسات واختراق البنيات الثقافية والقيمية لتيسير عملية بسط الوصاية على الشعب.

وقد بات واضحا أن وزراء البيجيدي لا يتصرفون بمنطق المسؤولية الدستورية التي تُلزمهم تحمل تبعات القرارات الخاطئة للحكومة سياسيا وأخلاقيا والقبول بالمحاسبة، وإنما يتعاملون بمنطق المكر والخديعة الذي تشبعوا به من مرجعيتهم الإيديولوجية التي لا تؤمن بالولاء والتضامن إلا مع المنتمين لنفس الجماعة وليس للوطن. وهذا الذي طبع موقفهم بعد انفضاح تآمرهم على الشعب من خلال مشروع قانون تكميم الأفواه حيث تبرأوا منه وتنكروا للوزير الحليف بعدما علّقوا له الجرس في إطار ثقافتهم المرجعية “الحرب خدعة” وليس المسؤولية السياسية والدستورية الجماعية. فجميعهم شاركوا في مناقشة مشروع القانون وصادقوا عليه، لكنهم حمّلوا مسؤولية الاحتجاجات التي أثارها إلى وزير العدل ولسان حالهم يقول له “اذهب أنت وحزبك فواجِها إنا ها هنا متفرّجون” مثلما قال بنو إسرائيل للنبي موسى عليه السلام (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون). موقفهم هذا لا يختلف عن موقف الشيطان يوم القيامة حين تبرأ ممن خدعهم (كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ). هذه الصورة يجسدها بلاغ الأمانة العامة للبيجيدي بتاريخ 2 ماي 2020 (تأكيدها على الموقف المبدئي لحزب العدالة والتنمية والذي يقضي بأن أي تشريع في هذا المجال يجب أن يراعي ضمان ممارسة الحقوق والحريات الأساسية، في نطاق المسؤولية، ومن ضمنها حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، ورفضها لأي مقتضيات تشريعية تتعارض مع ممارسة هذه الحريات المقررة والمكفولة دستوريا). فأين كانت خشية وزراء البيجيدي من الدستور حين صادقوا على مشروع القانون  22.20؟ وأين توارى الشعور بتحمل مسؤوليته السياسية داخل الحكومة التي يقودها حزبهم؟

أن يلوذ وزراء البيجيدي “بالبراءة” من مشروع القانون حين يجدّ الجد سلوك طبيعي تمليه عليهم مرجعيتهم الإيديولوجية التي تقوم على ركنين أساسيين يشكلان عقيدة “الولاء والبراء”.

قدر الشعب المغربي اليوم أن يواجه خطرين متزامنين: جائحة كورونا وحكومة البيجيدي. وإذا كانت جائحة كورونا عبأت الشعب وأحيت فيه قيم التضامن والتكافل وألهبت حماسه بالتفاعل الإيجابي مع القرارات الملكية الفعالة في مواجهة خطر الجائحة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، فإن خطر جائحة الحكومة يتحمل الشعب وقواه السياسية والمدنية مسؤولية مواجهته . وتلك هي أسس الديمقراطية وقواعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock