مدارات

المواطنون بحاجة إلى الأفعال لا الدموع يا رئيس الحكومة

في الوقت الذي يبذل فيه المسؤولون على قطاعات الصحة والصناعة والتعليم والفلاحة جهودهم لمواجهة آثار جائحة كورونا على الإنسان والاقتصاد والمواشي بإشراف مباشر من ملك البلاد الذي بقراراته الاستباقية جنّب البلاد كارثة حقيقية على كل المستويات ، وخاصة في الأرواح البشرية، خرج رئيس الحكومة عن السياق التعبوي العام الذي ينخرط فيه جميع المغاربة، مسؤولين ومواطنين، وكلهم حماس وأمل في تجاوز الأزمة بأقل الخسائر.

وبعد أن كان المواطنون ينتظرون من السيد العثماني أن يقدّم لهم تصور الحكومة للوضعية العامة بالبلاد واستراتيجيتها لمواجهة الجائحة والتخفيف من انعكاساتها، فضل سيادته أن يظهر في مشهد بئيس وكاريكاتوري وهو يذرف الدموع “متحسرا” على من توفوا بسبب الوباء: “عندما نسمع بوفاة أي مواطن مغربي بسبب هذه الجائحة، كتكون عندنا جنازة”.

دموع رئيس الحكومة وعبارته المتحسرة هذه ليس وقتهما ولا المغاربة بحاجة إليهما ولا هم على استعداد لتصديقهما للأسباب التالية:

1 / إن معنويات الشعب المغربي مرتفعة وهو يواجه الجائحة بفضل ثقته التامة في قرارات جلالة الملك منذ إغلاق الحدود وفرض الحجر الصحي وكذا تأكده من نجاعة كل الخطوات والتدابير المتخذة لمواجهة الجائحة وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية . لهذا فالشعب بحاجة إلى من يطمئنه على حياته ومستقبله ويزيد من رفع المعنويات والهمم ويؤجج فيه روح التضامن والتكافل .وبكاء الرجل الثاني في  هرم السلطة والمسؤول عن تدبير الشأن العام يحبط العزائم ويزعزع إن لم يكن يُفقد لدى شريحة واسعة من المواطنين ثقتهم في خطط الحكومة ومؤسسات الدولة.

2 / إن دموع رئيس الحكومة ، في هذه الظرفية الدقيقة ومن داخل البرلمان، هي دموع عجز وفقدان الحيلة والوسيلة أمام الجائحة. مشهد دراماتيكي وكأن رئيس الحكومة في سرادق العزاء حيث تغشاه أجواء الحزن والأسى وليس في قبة البرلمان حيث يتطلب الموقف شدة البأس ورباطة الجأش وقوة العزيمة والأمل في الانتصار والتجاوز.

إن الشعب المغربي يلمس نجاعة التدابير المتخذة لمواجهة الجائحة ، وتقوية ثقته في الدولة هي تقوية لمناعة المواطنين النفسية والجسدية ضد الوباء. ودموع رئيس الحكومة هي ضرب لهذه الثقة وإضعاف للمناعة. لهذا لا حاجة للشعب بدموع الحسرة والعجز من رئيس الحكومة الذي لا يعطي إلا النماذج السلبية لتفكيره وتصرفاته وكان آخرها ظهوره في المجلس الحكومي وكذا البرلمان بدون ارتداء الكمامة، كما لو أنه يقول للمواطنين ألا فائدة في الكمامات، فالنتيجة واحدة بها أو بدونها. والأخطر في الأمر أن رئيس الحكومة يخرق أمام الشعب القانون الزجري الذي يفرض على المواطنين استعمال الكمامات .

3 / إن الشعب لا يؤمن بالدموع بقدر ما يؤمن بالمواقف والقرارات والإجراءات العملية التي تجعله يواجه الوباء بكل ثقة في النصر والتجاوز والتعافي . قد لا نحتاج في المغرب إلى فيلم “موسكو لا تؤمن بالدموع” للسخرية من رئيس الحكومة ودموع “التبَوْحيط و التشْلهيب” التي اصطنعها تحت قبة البرلمان، لأن الشعب المغربي في عمومه فقد الثقة في قادة حزب أخطر عليه من كارثة كورونا. فما فقده المواطنون من حقوق ومكتسبات في ظل حكومتين متواليتين للحزب لن يفقدوه في هذه الأزمة الوبائية.

سيتدارك الشعب خسائره بسبب الجائحة لكن لن يسترجع ما ضاع منه من حقوق في ظل حكومتي البيجيدي. إن الذين حُرموا من نسبة مهمة من مستحقات معاشهم أو الذين أضاع عنهم رئيس الحكومة حقهم في الترقية أو التوظيف سترافقهم آثار هذه القرارات مدى الحياة .فما فائدة دموع رئيس الحكومة حتى وإن كانت دما أمام سلسلة قراراته المجحفة في حق عموم الموظفين!!

4 / إن دموع رئيس الحكومة لم تكن “حسرة” على موتى كورونا ولا مواساة لأسرهم، إذ لو كان الأمر كذلك لكن أحق عليه أن يبكي النساء ضحايا التدافع بالصويرة من شدة العوز والفقر، أو يبكي ضحايا ملعب تارودانت أو يتحسر على العاملات بحقول الفراولة  ضحايا حادث السير بالعرائش .كلها مآسي جماعية لم يذرف العثماني دمعة واحدة بسببها ولا كلف نفسه تقديم واجب العزاء لأسر الضحايا، علما أن مسؤولية الحكومة ثابتة في تلك الحوادث المؤلمة. لهذا كانت للدموع دوافع أخرى مرتبطة باستدرار عطف الناخبين بعدما تبين له أن الرصيد الشعبي لحزبه تآكل وتقلصت كتلته الناخبة وما عاد له ما يقدمه من مكتسبات تفيد الشعب وترفع من مستواه المعيشي غير قرارات جائرة تضرب مباشرة القدرة الشرائية وتعمّق الهوة بين الطبقات  الاجتماعية، كما تجهز على مكتسبات الموظفين والمتقاعدين.

فعجز رئيس الحكومة بيّن وواضح لا تكفيه الدموع ليقنع المواطنين بالرضا والصبر. وكيف له أن يقنع المواطنين بانعدام الكمامات وتعريض حياتهم وحياة ذويهم للخطر؟ حكومة لا توفر الكمامات رغم تواتر التأكيدات على صناعتها بوفرة وتوزيعها على كل التراب الوطني حكومة بالضرورة عاجزة . لهذا كان أحرى برئيس الحكومة أن يقدم للمواطنين حلولا عملية لمشكلة الكمامات، وهذا أضعف الإيمان، بدل ذرف دموع “التماسيح”

.إن “الحسرة” الحقيقية يا رئيس الحكومة ، يجب أن تكون على الذين تضطرهم ظروفهم إلى الخروج من المنازل يبحثون عن الكمامات بلا جدوى ، فيجدون أنفسهم محاصرين بين خطر الوباء وعقوبة القانون.

إن بكاء رئيس الحكومة داخل البرلمان هو جزء من السياسة التي مارسها رئيس الحكومة السابق بنكيران واستغل تعاطف الناخبين معه، وها هو خلفه العثماني على نهجه. لكن الأوضاع الحالية لم تعد تسمح برواج وربحية “التبوحيط والتشلهيب” بكل ألوانهما .فما ينفع المواطنين في مواجهة الجائحة سيبقى ويثني عليه الشعب ، أما ما يستغل الظرفية للمكاسب السياسية والانتخابية فزائل بزوال الوباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock