رؤى منطقية

ما بعد الكوفيد 19: الأبعاد المأساوية والتعليم

لقد عانت المدرسة الأمريكية من نقص من عدد الأساتذة لسنوات، لكنها الآن قد وصلت إلى مستوا تراجيدي من البؤس. جلست خلال الشهر الماضي في أحد المؤتمرات مع أربعة مدراء من مناطق مختلفة من الولايات المتحدة وسألتهم:" ما هي نسبة الأساتذة الذين يتركون وظائفهم، مما يعيق عمل المؤسسة التعليمية التي ترأسها؟ كانت كل الإجابات صادمة بسبب العدد المهول لمن تركوا وظائفهم، إلى حد أن أحدهم قال: "إن مغادرة مدرس واحد تعيق عملية التدريس بأكملها".

مارك بيرنا Mark C. Perna – ترجمة: وديع بكيطة Bekkita Ouadie

(إضاءة المترجم)

نشر موقع فوربيس Forbes يوم 04 يناير 2022 صباحا مقالا للكاتب مارك بيرنا Mark C. Perna يبين ويفصل فيه وضع التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وسم العنوان كالاتي: “Why Education Is About To Reach A Crisis Of Epic Proportion” ما ترجمته بـ: لماذا التعليم على وشك الوصول إلى أزمة ذات أبعاد مأساوية؟”، لكني لم أخذ بهذا العنوان ووسمته بعنوان آخر هو: “ما بعد الكوفيد 19: الأبعاد المأساوية والتعليم”. لأن المقال من وجهة نظري لا يتعلق بمأساة وطنية تتعلق فقط بالولايات المتحدة الأمريكية، بل يتجاوز الأمر إلى سائر الأنظمة التعلمية بالعالم ومنها المناطق الناطقة باللغة العربية، التي لها من المشاكل السابقة والجذرية ما يزيد الطين بلة.

تعود للكاتب مارك بيرنا مجموعة من المؤلفات منها كتاب “Answering Why: Unleashing Passion, Purpose, and Performance, was born.” ما يمكن أن نترجمه بـ:” لماذا: الرغبة، الشغف، الأداء والهدف”، والذي يدعوا فيه إلى تصور معين حول النظرية التعليمية، تنبني على إطلاق العنان لكفاءات الأجيال والأفراد، كما له العديد من المحاضرات اللقاءات، يحتويها موقعه الإلكتروني www.markcperna.com.

تمهيد

يفكر ما يقرب من نصف الأساتذة في الولايات المتحدة الأمريكية في ترك وظائفهم، لماذا؟

أجريتُ دراسة حديثة في مجال التعليم حول الأساتذة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أقرت هذه الدراسة بتحول جوهري خطير في هذه البنية، إذ اعترف 48٪ أنهم قد فكروا في الاستقالة خلال الثلاثين يوما الماضية، وأقر 34٪ من هؤلاء بأنهم يفكرون في ترك هذه المهنة بالكامل.

لقد عانت المدرسة الأمريكية من نقص من عدد الأساتذة لسنوات، لكنها الآن قد وصلت إلى مستوا تراجيدي من البؤس. جلست خلال الشهر الماضي في أحد المؤتمرات مع أربعة مدراء من مناطق مختلفة من الولايات المتحدة وسألتهم:” ما هي نسبة الأساتذة الذين يتركون وظائفهم، مما يعيق عمل المؤسسة التعليمية التي ترأسها؟ كانت كل الإجابات صادمة بسبب العدد المهول لمن تركوا وظائفهم، إلى حد أن أحدهم قال: “إن مغادرة مدرس واحد تعيق عملية التدريس بأكملها”.

أصبح التعليم مرتبطا بالإرهاق، والمدرس يواجه ضعف المشاكل التي يواجهها أي موظف حكومي آخر، يتعرض الأساتذة والإداريون على حد سواء للتوتر والإرهاق، وخلال السنتين الماضيتين 2019ـ2021 لم يعد لديهم شيء ليقدموه، لأنهم قدموا ويقدمون كل شيء: الوقت، الطاقة، الراحة العقلية والمشاعر للمتعلمين. (أنظر مقال ناز مودان Naaz Modan “الأساتذة أكثر تعرضا للإرهاق من أي موظف حكومي آخر” Oct. 1, 2021).

يرتبط كل أستاذ بتخصص معين مختلف عن غيره في عملية التدريس، ومن غير الممكن جعله متعدد التخصصات، الأمر الذي يجعل عملية استبداله أمرا صعبا، كما هو الحال في المجالات الحكومية الأخرى.

ونحن كأعضاء داخل هذه البنية نعرف ذلك.

الحلقة المفرغة

يجب على الأساتذة من أجل تعليم الطلاب والتلاميذ بشكل فعال أن يُكونوا علاقة إنسانية معهم، ولن نصل إلى أي نتائج دون هذه العلاقة الإنسانية، التي هي أساس تطوير التعليم والترقي المهني، فهذا أمر مفروغ منه وغير قابل للنقاش مجددا.

تريد الغالبية العظمى من الأساتذة إقامة هذه العلاقة الإنسانية مع الطلاب والتلاميذ، وهي السبب الرئيسي وراء ولوج العديد من الأساتذة لمهنة التدريس. ونظرا لقلة عدد الأساتذة والعمل المرهق، لا يملك الأساتذة الوقت الكافي ـ خاصة في السنتين الماضيتين ـ لإظهار هذه النزعة الإنسانية وربطها مع طلابهم وتلامذتهم.

يخلق هذا الوضع حلقة مفرغة؛ تتراكم الأعباء على الأساتذة ولا يحقق الطلاب والتلاميذ أي نتائج مرضية، لذلك تزداد الحاجة إلى تحقيق الكفايات المطلوبة، ويصبح الأساتذة في وضع لا يحسد عليه، ورغم ذلك يطلب منهم إنجاز المطلوب، لنصل في الأخير إلى طريق مسدود.

التداعيات

ما هي تداعيات هذه الحلقة المفرغة وانعدام هذه العلاقة الإنسانية؟

سنرى انخفاضا كبيرا في ثلاثة مجالات حيوية:

تقلص عدد الراغبين في مهنة التدريس؛ يقضي الأساتذة والطلاب أو التلاميذ ساعات متواصلة كل يوم وهم معا، وبالمناسبة، لا يمكن لأي مدرس إخفاء الضغط الواقع عليه، حتى من يخفي ذلك علنا، فإن طلابه أو تلامذته يلاحظون ذلك في تصرفاته أو لغته.

يُشِيعُ هذا الضغط العالي المستوى والممتد على الأساتذة ثقافة من النفور من هذه المهنة، فلا أحد يريد هذا النوع البائس من الحياة، الذي يرتبط بدخل غير كافي؟ الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم الضغط على الأساتذة، واستفحال النقص على المدى الطويل.

بالتأكيد، إن موجة النقص هي آتية لا محالة في حقل التعليم، ولا مفر منها.

ستنخفض جودة التعليم؛ لأن المدرسين الحاليين يفرون من هذه المهنة، ويتجنب الجيل التالي دخولها، سنشهد اكتظاظا داخل الفصول الدراسية، مما سيرهق ما تبقى من أساتذة، وبدون النسبة الأنسب (17-19) في كل فصل من الطلاب أو التلاميذ، ستنهار جودة التعليم وسيقل الوقت الخاص الذي يقضيه كل طالب في القسم، وسيغيب التواصل ومعه تلك العلاقة الإنسانية الضرورية للتعليم.

يوجد عامل آخر سيؤثر على الجودة وسيخفضها، هو عدم رغبة بعض الدول في الاستجابة لمتطلبات الأساتذة ونقابات التعليم، واستعانتها بـ”مُوقِفِينَ” في الفصل الدراسي يفتقرون إلى التدريب والمهارات اللازمة للتدريس بفعالية، مما يجعل باقي القطاعات تعاني، منها عدم أهلية اليد العاملة، وما يترتب عن ذلك اقتصاديا، ثقافيا، اجتماعيا، سياسيا…الخ.

سيتراجع معدل التخرج؛ توجد طرق للنجاح بدون شهادة بالنسبة لمن توقفوا أو  انقطعوا عن المدرسة، وليس لديهم أي علاقة بها؟ يتيح اقتصاد الوظائف المؤقتة لهم الفرصة المناسبة للعمل، خاصة، في تجارة العملات الرقمية، ولن يسألهم أي أحد عن نوع الشهادة ما داموا يمارسون هذه الأعمال التجارية الخاصة.

تحتل المهارات بدلا من الشواهد والدرجات العلمية الأهمية الكبرى في عملية التوظيف؛ في ظل النقص المهول الحاصل في اليد العاملة المؤهلة، يحاول المستخدمون جذب أكبر عدد من العمال بكل الوسائل والإغراءات: أجور مرتفعة، مكافآت، ترتيبات عمل مرنة…الخ. إلى متى سيستمر هذا الوضع في التشغيل؟ رغم انعدام القدرة لدى هؤلاء للقيام بأي عمل، رغم أن ليس لديهم حتى شهادة الثانوية العامة (يقابلها بالمغرب شهادة البكالوريا).

يتمتع هذا الجيل من رواد الأعمال بدرجة عالية من الذكاء، بحيث يدركون مبكرا مصادر الدخل المادي، ويغادرون سفينة التعليم التي تغرق، ويقطعون أي علاقة بينهم وبينها، ولا يأبهون بالشواهد، ما دامت الخبرة والحدس والتوقع والحظ هي العامل المحدد في هذه السوق التجارية.

ماذا نفعل الآن؟

لا توجد وصفة سحرية لحل هذه الأزمة، تساعد هذه الاقتراحات في التخفيف من بعض ما هو أسوأ.

التخفيف من خدمات الأساتذة؛ ماذا سيحدث إذا لم يقم الأساتذة بكل الأعمال التي من المفروض أن يقوموا بها؟ بالفعل ماذا سيقع؟ هل سيتغير أي شيء في الفصل الدراسي أو القسم؟ في الفترة الحالية، لا يمكن أن يتم فصلهم عن العمل لعدم قيامهم بكل المهام المتعلقة بهم، لذلك من المفترض أن يركزوا على ما هو ضروري بغض النظر عن الجزئيات. يجب أن يطرح المسؤولون سؤال: كيف يمكن تخفيف الضغط عن الأساتذة، بطريقة فعالة وفورية؟ وما الذي يمكن فعله لمنح الأساتذة وقتا كافيا للتواصل مع الطلاب أو التلاميذ في القسم؟

التوقف عن الدعاية الكاذبة؛ والتي تذكر الأساتذة بأهمية الرعاية الذاتية والاعتناء بالصحة؛ صالونات التدليك، جلسات النبيذ والرقص والرياضة… لأن الأساتذة ليسوا عن غنى في ذلك، بل لأن وقتهم لا يسمح بهذه الأفعال بالفعل، فهم مرهقون بأعمال لامتناهية، يحتاج الأساتذة إلى رعاية تتعلق بمتطلباتهم، التي يجب أن تسهر على رعايتها وتحقيقها الدولة، وليس فقط من أنفسهم.

لا تتوقع من الأساتذة “تتبع الطلاب”؛ خلقت أزمة كوفيد 19 Covid للتعليم مشكلة حقيقية وخطيرة، وقد فرض هذا الواقع ضغطا متواصلا على الأساتذة، والذين لديهم أيضا أعباء مستقبلية تتعلق بتغير السياسات والمطالب. وكان من المتوقع أن العودة إلى التعليم المباشر من شأنها أن تحل هذه الأزمة ويعود الطلاب إلى مستواهم المطلوب، لكن الأمر أكبر من ذلك كما قلنا سلفا؛ كنتيجة، إننا كأمة أمريكية نحتاج إلى المدرسة والفصل، لأننا ننطلق من هناك، وهي الطريق الوحيدة نحو المستقبل المجيد.

يجب إعادة بناء الثقة؛ والتذكير بهذه الحقيقة “ما يحتاجه الطلاب والتلاميذ من أجل تواصل فعال، هو نفسه ما يحتاجه الأساتذة”، كما يفترض فحص مكامن الخلل والعلل والأسباب وراء تعرض العلاقة بين المدراء والأساتذة إلى شرخ دائم.

وضع كل ما يمكن أن يخدم العملية التعليمية من تجهيزات ومعدات رهن إشارة الأساتذة؛ يجب على الأساتذة إقامة علاقة إنسانية مع الطلاب أو التلاميذ قبل أن يدرسوهم ما هو مبرمج في المنهاج الدراسي، بدون هذا التواصل الفعال، تذهب العملية التعلمية مجرى الهباء، كما من المفترض أن نمنح الأساتذة وقتا كافيا للتواصل مع المتعلمين، وأفكارا وأدوات جديدة للتفاعل معهم، لأن هذا هو العمل الحقيقي في التعليم: إيقاظ العقل وإطلاق العنان لإمكانات المتعلم ونوع ذكائه.

تحفيز الأساتذة معنويا وماديا؛ لأن الجانب المادي مهم في الحياة، رغم أنه ليس كل شيء. يعمل أغلب المسؤولون والمدراء في حدود ميزانيات تتقلص باستمرار، مما يخلق مشكلة أخرى، فأغلب العاملين في هذا القطاع يرغبون ببيئة صحية للعمل وليس بمباءة.

لا للعودة إلى الوراء

ليست مشكلة التعليم مشكلة عابرة، افترضَ معظمنا أنه بعد فترة قصيرة من الاضطرابات، سنعود إلى العمل كالمعتاد، وكأن شيئا لم يحدث؛ ما وقع هو أن المباءة قد انتشرت وخرج الجني من القمقم، بلا عودة.

يجب على المسؤولين في التعليم الانتباه إلى علامات التحذير هذه والأخذ بعين الاعتبار هذه الاقتراحات لتجنب أسوء ما في هذه الأزمة، إن الأساتذة في حاجة إلينا، كما نحن في حاجة لهم من أجل مستقبل أمتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock